بعد أكثر من ستة أسابيع على انطلاق عملية «غضب ملحمي»، قبلت واشنطن وطهران وتل أبيب بوقفٍ لإطلاق النار مدته أسبوعان. يهدف هذا التوقف إلى تجميد الضربات وفتح المجال أمام إعادة فتح مضيق هرمز، بما يسمح بتأمين حركة الملاحة ولو بشكل مؤقت والتخفيف من التوتر في سوق النفط العالمي الذي تأثر بشدة بالحرب. وقد جرى التوصل إلى الاتفاق بوساطة باكستانية، مع خطة لعقد محادثات في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة في محاولة لتحويل هذه الاستراحة القصيرة إلى إطار سياسي أكثر ثباتاً.
هذا التطور يأتي بعد سلسلة من القرارات والتقديرات التي ثبت لاحقاً أن معظمها كان مبالغاً فيه. في مطلع شباط/فبراير، عُقد اجتماع حاسم في البيت الأبيض، عرض خلاله رئيس الحكومة الإسرائيلية خطة لهجوم مشترك على إيران، متعهداً بأن البرنامج الصاروخي الإيراني سيُشل بسرعة، وبأن طهران لن تكون قادرة على إغلاق هرمز، وبأن النظام سيكون ضعيفاً إلى حد يجعله عرضة للانهيار من الداخل. غير أن مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأمريكية اعتبروا لاحقاً أن سيناريوهات التغيير السريع في بنية الحكم غير واقعية، وأن أجهزة الأمن الإيرانية ستظل قادرة على الرد وعلى التأثير في حركة الطاقة عالمياً.
الروايات التي نُشرت في الولايات المتحدة تشير إلى أن هذا العرض لعب دوراً مهماً في قرار الرئيس الأمريكي إعطاء الضوء الأخضر لحملة واسعة من الضربات في 28 شباط/فبراير، مع أنه كان في الأصل يتبنى موقفاً عدائياً واضحاً تجاه إيران. تركّز اهتمامه بشكل خاص على استهداف قمة الهرم السياسي والعسكري في طهران وتقليص قدرات الصواريخ، مقتنعاً بأن العملية ستكون قصيرة ويمكن التحكم بها. في المقابل، حذرت جهات عسكرية وأمنية من أن الحرب قد تستنزف سريعاً مخزون الأسلحة الأمريكية، وخاصة منظومات الاعتراض، بعد سنوات من الدعم المتواصل لأوكرانيا وإسرائيل، كما نبهت إلى صعوبة ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز إذا قررت إيران الرد بقوة.
توضح تلك التقارير أن عدداً من كبار مسؤولي الأمن القومي أبدوا تحفظات، لكنهم في الغالب اكتفوا بعرض الخيارات العسكرية والسيناريوهات التقنية بدل الدخول في مواجهة مباشرة مع القرار السياسي. كما أشار نائب الرئيس وبعض المستشارين السياسيين إلى الكلفة الانتخابية المحتملة لانخراطٍ جديد في حرب، في ظل وعود انتخابية سابقة بعدم فتح جبهات عسكرية إضافية، قبل أن يلتزموا في النهاية بالقرار بعد صدوره. ودار جزء من النقاش حول الهدف الفعلي للعملية: هل المطلوب فقط إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، أم أن الرهان الحقيقي هو دفع الأمور نحو تغيير في طبيعة الحكم، وهي ازدواجية غذّت الخلافات داخل الفريق الحاكم.
ميدانياً، سارت الأمور في اتجاه مختلف تماماً عن الصورة التي رُسمت قبل بدء الهجوم. فقد واصلت إيران إطلاق الصواريخ بشكل شبه يومي، وأقدمت على إغلاق مضيق هرمز لأسابيع، ونفذت سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على عدد من دول الجوار، ما ساهم في تعميق أزمة الطاقة عالمياً. كذلك لم تتحقق الحسابات التي كانت تراهن على انتفاضة داخلية سريعة، رغم الحديث عن إمكان استفادة قوى معارضة وكردية من الضربات الخارجية. أما وقف إطلاق النار الحالي، الذي بدأ بالفعل يتعرض لهزّات نتيجة حوادث متفرقة في المنطقة، فيكشف الفجوة بين الوعود التي قُدمت في واشنطن قبل الحرب وبين واقع صراع معقّد هزّ منطقة الخليج بشدة من دون أن يطيح بمراكز القرار الأساسية في طهران.



